الجزء الثاني : الباب الأول : بين الفاصلة والقافية والسجع
الفصل الأول : ويحتوي :
• تعريف الفاصلة لغة واصطلاحاً .
• القائلين بسجع القرآن وحججهم .
• القائلين بنفي السجع عن القرآن وبراهينهم
• موقفنا من الفريقين
معنى كل من الفاصلة والقافية والسجعة
قبل الخوض في لجة الخلاف بين العلماء في أمر الفواصل ومقارنتها بالأسجاع والقوافي ، لا بد من تتبع المعنى اللغوي والاصطلاحي لكل من الكلمات الثلاث .
أولاً الفاصلة : نأخذ مما أوردت معاجم اللغة في مادة (فصل) ما يلي : " الليث: الفَصْل بَوْنُ ما بين الشيئين. والفَصْل من الجسد: موضع المَفْصِل، وبين كل فَصْلَيْن وَصْل".
"والفاصِلة: الخَرزة التي تفصِل بين الخَرزتين في النِّظام، وقد فَصَّلَ النَّظْمَ. وعِقْد مفصَّل أَي جعل بين كل لؤلؤتين خرزة. والفَصْل: القضاء بين الحق والباطل" .
وفي الاصطلاح يظهر خلاف بين العلماء حينما يعرِّف كل منهم الفاصلة فمنهم من جعلها آخر كلمة في الآية كالإمام السيوطي الذي قال عنها :
" الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع" .
أما الذين قالوا بمجيئ الفاصلة في غير آخر الآية فمنهم الإمام الداني نجد تعريفه للفاصلة قد أورده السيوطي فقال :" وفرَّق الداني بين الفواصل ورؤوس الآي فقال: الفاصلة هي الكلام المنفصل عما بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، وكذلك الفواصل يكن رؤوس آي وغيرها؛ وكل رأس آية فاصلة وليس كل فاصلة رأس آية" .
ورأي الإمام أبي عمرو الداني أشمل ، ويدعمه اشتمال طوال الآيات على معانٍ عدة ، منفصلة عن بعضها ، وعلامات الوقف تدعم هذا القول وفي آية الدين يتجلى ذلك .
ثانياً القافية : جاء عنها في اللغة : "القَفا، مقصور، مؤخر العُنق، أَلفها واو والعرب تؤنثها، والتذكير أَعم " .
وفي اصطلاح العروضيين قيل أنها " آخر ساكن في البيت إلى أقرب ساكن يليه مع المتحرك الذي قبله ، وهو قول الخليل" .
وفواصل القرآن لا يجوز أن نسميها قوافي بالاجماع لذا لن نقف عند تعريف القافية كثيراً .
ثالثاً السجع : في اللغة "سَجْعُ الـحمامةِ موالاة صوتها علـى طريق واحد تقول العرب سجَعَت الـحمامة إِذا دَعَتْ وطَرَّبَتْ فـي صوتها ،وسجَعت الناقة سَجْعاً مدّت حَنِـينَها علـى جهة واحدة يقال ناقة ساجِعٌ"
وهناك معنى أتفق عليه أهل المعاجم وأهل الأدب وهو "سَجَّعَ تَسْجِيعاً تَكَلَّـم بكلام له فَواصِلُ كفواصِلِ الشِّعْر من غير وزن وصاحبُه سَجّاعةٌ وهو من الاسْتِواءِ والاستِقامةِ والاشتباهِ كأَن كل كلـمة تشبه صاحبتها" .
وقد ارتبط السجع عند العرب بالكهان ، يجيبون به سائليهم ويصدرون به أحكامهم .
القرآن الكريم والسجع :
قضية السجع في القرآن الكريم قضية قديمة ، ظهرت في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة ، وما قبل ذلك لم يقل أحد العلماء بسجع القرآن ، ولم يعرفوا كذلك مصطلح الفاصلة بل أطلقوا على الفواصل رؤوس الآيات ، ولن نخوض في تاريـ خ المصطلح وأول من أطلقه على رؤوس الآيات فما يهمنا في هذا البحث هو هل في القرآن سجع أم لا ؟ وحتى نصل إلى نتيجة سنستعرض أراء الفريقين : من قالو بسجع القرآن ، ومن نفوا السجع عن القرآن إذا بدأنا بالقائلين بالسجع في القرآن فإننا سنجدهم موزعين زمانياً منذ القرن الثالث للهجرة حتى عصرنا هذا ، فلنبدأ بمن تأخر منهم لنجد الباحث كمال الدين عبد الغني المرسي يقول في كتابه فواصل الآيات القرآنية :" ونحن مع كل من أجازإطلاق اسم السجع على الفواصل القرآنية ،إذ لا تعارض بين الفاصلة والسجعة ، ولا نرى تنافراً أو بعداً بينهما"
وفي المائة السابعة للهجرة نجد التنوخي - أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمرو التنوخي - يقول : " ومن عاب السجع مطلقاً فمخطئ ، لأن السجع في كلام الله كثير "
أما الخفاجي فيقول في سر الفصاحة - إشارة إلى المتماثل من فواصل الآيات - : "وهذا جائز أن يسمى سجعاً لأن فيه معنى السجع ولا مانع في الشرع يمنع من ذلك "
أما الذين نفوا السجع عن القرآن الكريم فمنهم أبو الحسن الأشعري وقد روى ذلك عنه الباقلاني الذي كان أشعرياً ومن البداهة أن يسلك مسلك أبي الحسن في نفي السجع عن القرآن وقد تشدد في ذلك حتى أنه ذهب غلى ذم السجع عامة ، وقد اعتمد في نفيه السجع عن القرآن على محاور عدة نلخصها في الآتي :
1/ لو كان القرآن سجعاً لكان غير خارجاً عن اساليب كلام العرب ، ولو كان داخلاً فيها لا يقع الإعجاز .
2/ نفي السجع عن القرآن أجدر من نفي الشعر عنه لأن السجع ينافي النبوات وليس كذلك الشعر.
3/ في السجع يتبع اللفظ متبوع والمعنى تابع له ، وفي ما هو في تقدير السجع من القرآن اللفظ تابع للمعنى .
4 / لو كان ما في القرآن سجعاً لكان مذموماً مرزولاً لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه كان غير محمود .
5/ لو كان في القرآن سجع لتمكنوا من معارضته لأن السجع غير ممتنع عليهم
وقد الزم الباقلاني القائلين بسجع القرآن أن يؤيدوا القول بالصَّرفة ، وهو مذهب يرى أهله أن العرب كان يمكنهم معارضة القرآن لولا أنهم صُرفوا عنه نوعاً من الصرف .
ممن نفوا السجع عن القرآن الكريم علي بن عيسى الرماني فهو يقول : " والفواصل بلاغة والأسجاع عيب وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها "
ولو علمنا أن الرماني من أهل الاعتزال لرأينا أن الباقلاني لم يوفق في الربط بين من قالوا بسجع القرآن ومن قالوا بالصرفة .
نفت السجع عن القرآن الكريم كذلك عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئى لما قالت : " ومن ثم نؤثر أن نمضي على تسمية مقاطع الآيات في القرآن بالفواصل ، وهو الذي جرى عليه أكثر المفسرين "
وقد وافق رأي بنت الشاطئ محمد الحسناوي إذ يقول في كتابه الفاصلة في القرآن : " إن القول بسجع القرآن حيف ، ولا نقول السجع عيب ، وأن القول بالفاصلة لا شريك لها رد الأمور إلى نصابها ، ونظرة إلى ظاهرة قرآنية متميزة مطردة في القرآن كله ، وفي ذلك ما فيه من تجنب الإيهام بمشابهة كلام البشر أو الكهان كما فيه انسجام مع إشارات القرآن " .
نجد أن البلاغيين - ومنهم أبو هلال العسكري - لم يتعرضوا للسجع في القرآن كقضية ولكنهم تحاشوا أن يقولوا بسجع القرآن ، فأبو هلال استخدم مصطلح الفاصلة والازدواج ، يقول عن القرآن الكريم " وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل في أوساط الآيات فضلاً عما تزاوج في الفواصل منه "
موقفنا من الخلاف :
بعد استعراضنا لآراء المؤيدين والمعارضين لوجود السجع في القرآن الكريم ، نحاول أن نبرز ما اهتدينا إليه من الميل نحو الفريق الذي نفى السجع عن كتاب الله جل وعلا :
في تسمية السجع المأخوذة من صوت الحمامة إيحاء جلي بأن السجع مجرد أصوات متشاكلة ، متناغمة لا أهمية لمعناها على الإطلاق ، وجل القرآن عن ذلك .
ثم إن الفواصل مصطلح يجب أن يدل على مدلول محدد والسجع مصطلح قائم بذاته ويجب أن يدل على مدلول آخر ، وإن تشابه المدلولان إلى حد يشعر بالتطابق وذلك للتفريق بين المصطلحات النقدية ، فنحن مثلاً نقول عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حديث نبوي شريف )
ونقول عن القرآن ( كلام الله ) فهل يستقيم الاصطلاح إن قلنا (حديث الله ) عن القران أو ( كلام نبوي ) عن الحديث ؟
ما أثاره الباقلاني من أن نفي السجع عن القرآن أجدر من نفي الشعر عنه قدم لنا دعوةً لتتبع مسيرة الشعر في حياة العرب فوجدناه سيد الآداب بلا منازع ، وقد حاز مكانة تعذر وصول غيره من الفنون إليها ، وبنى صرحاً لناظمه لم يتأتى لأحد من سائر الناس الخاصة منهم والعامة ، الخاصة بمن فيهم العلماء والملوك والأُمراء والقادة ، يعلو هذا الصرح كلما سمقت الكلمة ، ويسمو كلما زاد منتوج الشاعر كماً ونوعاً . والشاعر سيدٌ في قومه يدافع بالقافية عن مجدهم ويفخر بهم بين القبائل ، مكانة الشاعر السامية هذه جعلت منه بطلاً يُتقى هجاءه ويُبتغى مدحه فحجز بذلك مكانه في بلاط الملوك بين أهل الحل والعقد .
مضى العهد الذي أسلفنا الحديث عنه وبقي الشعر شاهداً على ما لمسنا من أهميته ، وأتى عصرنا هذا فازدادت مكانة الشعر في النفوس وذلك بازدياد أغراضه وتوسع مجالته وتعدد أشكاله وتجديد قوالبه .
بعد هذه السياحة الزمانية مع مسيرة الشعر ، يتجلى لكل عين أنه سيد الآداب جميعاً ومع مكانته هذه التي لا يمكن لمنصف أن يقارنها بمكانة فن بلاغي مغمور يسمى السجع لا يهتم به سوى دارسي الأدب أو المولعين به ، برغم هذا التفوق الواضح نفى المولى عز وجل أن يكون القرآن الكريم شعراً وذلك في قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ فهل يستقيم عقلاً أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ونقول بسجع القرآن ؟
ثم إن القرآن الكريم كما اشتمل على فواصل تشبه مقاطع السجع احتوى على أُخرى تشبه أبيات الشعر فهل نتجرأ ونقول إن في القرآن شعر ؟ فلنقرأ على سبيل المثال الآية : إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر أو الآية : لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وغير ذلك من الآيات التي توافق أوزان الشعر وبحوره فلو قيل أن الشعر أقله بيتان ، قلنا يمكن أن يطلق على البيت الواحد من باب المجاز شعراً وهو اطلاق للجزء وإرادة للكل فنقول حين نسمع البيت الواحد : شعر من هذا ؟
وإن قيل أن ما وافق أوزان الشعر قليل في القرآن سألنا : هل يجوز أن نقول إن في القرآن سجع كثير وشعر قليل ؟ بالطبع تنأ بالمؤمن فطنته وينفر حسه عن القول بمثل ذلك .
ومن خطورة القول بالسجع في القرآن أن اسم الفاعل منه يشتق(سجَّاعة ) فإذا كان المولى جل وعلا قد نفى أن يكون كلامه قول شاعر وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ فهل يأتي أحد الخلق كائناً من كان ليقول عنه قول ( سجّاعة) ؟ تعالى الله عن ذلك وتنزه كتابه الكريم .
لقد نفى القرآن صراحة أن يكون قول كاهن وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ فهل كان للكهان قول غير مسجوع ؟ إذا اتفق معنا القائلون بسجع القرآن أن قول الكاهن هو السجع فلن نحتاج لنفيه عن القرآن أكثر من الآية سالفة الذكر .
وما لنا نبحث للفواصل عن اسم غير الذي أشار إليه القرآن الكريم كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ولم يأذن بغيره مطلقاً .